يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

460

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

فإن قلت أخرجت شيئا عظيما * تلهى وتهزأ قل لا تله فإن الأديب الموفق لا * يضيع من أدب خردله وقد قيل في مثل قبل ذا * تقدّم ما خاب من قصد له ومن الملح أيضا أخّرت فيه القول لأن فيه ذكر البول : كان الفقيه أبو محمد عبد الوهاب رحمه اللّه من أظرف الناس وأعلاهم وأحسنهم خلقا وأحلاهم ، فكان يتصرف في حاله بيده في حفير وزبير وغير ذلك ، وأنا كذلك ، فقلت له يوما : ربما أحفر فأرى حيوانا في الأرض فأكره أن أدفنه في التراب ، فقال لي : وأنا يعتريني ذلك فأقول له : تبوّأ ، وأترك ذلك الموضع ثم أرجع إليه ، فأجده قد ذهب ، فصنعت أنا ذلك أيضا ، فوجدت مرّة ضفدعا في موضع فقلت له كذلك ، ثم عدت إلى الموضع فوجدته في موضعه ، فأزحته عن مكانه فوجدت موضعه مبلولا ، وهذا شأنه أبدا ، فقلت أخاطبه : إنما قلت لك تبوّأ ولم أقل لك تبوّل ، فذكرت الخبر لأبي محمد رحمه اللّه ، فضحك على ذلك وقال لي : أساء سمعا فأساء جابة . لعلك أن تقول يا قارئ هذا السخف مثل هذا يعلق في الصحف ؟ فانظر أيها الحرّ ما يجيء بعد من الدرّ . قوله رضي اللّه عنه : أساء سمعا فأساء جابة ، هذا المثل ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه اللّه ، وقال : هكذا تحكى هذه الحكاية : الكلمة بغير ألف ، وذلك لأنه اسم موضوع ، يقال : أجابني فلان جابة حسنة ، وإذا أرادوا المصدر قالوا : أجاب إجابة ، بالألف ، انتهى كلامه . وقال أبو عبيد عبد اللّه بن عبد العزيز البكري في فصل المقال في شرح كتاب الأمثال : قال أبو عمرو المطرز : ناديت فلانا فأجابني إجابة وجوابا وجابة وجيبة ، فالجابة : اسم للجواب ، كالطاعة والطاقة ، فإذا أردت المصدر قلت : إجابة وإطاعة وإطاقة . قال الشاعر : وما من تهتفين له بنصر * بأسرع جابة لك من هذيل وقال أبو العتاهية فنظم هذا المثل : إذا ما لم يكن لك حسن فهم * أسأت إجابة فأسأت سمعا ولست الدهر متسعا لفضل * إذا ما ضقت بالإنصاف ذرعا وقد ذكر الزبير فيما ثبت عنه في الكتاب أن المثل لسهيل بن عمرو ، وذكر خبره : قال ابن درستويه : أصل الجابة من قولهم : جاب يجوب البلاد ، إذا قطعها طوافا ، لأن الجواب هو ما يرجع إلى السائل ، ومنه جواب الأخبار ، وقولهم : هل من جائبة خبر ؟ وهي الواحدة من الجوائب التي تنوب وترجع .